حبيب الله الهاشمي الخوئي
61
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
فإن قلت فلم قال عليه السّلام فتام الرّواء ناقص العقل مع أن على ما حققته يقتضى ان يكون تام الرواء كامل العقل . قلت إن قوله عليه السّلام ليس بقضية كلَّية حاكمة بان كلّ من كان تام الرّواء فهو ناقص العقل البتة بل هي قضية مهملة في قوّة الجزئية يعني ان بعض تام الرّواء ناقص العقل كما لا يخفى على الأديب العارف بأساليب العبارات وكذلك الستة الباقية ومن يكن له منظر جميل وعقل ناقص اعترته آفة لا محالة وان خفيت علينا وكما أشرنا إليه انّه قليل والأكثر بخلافه . قوله عليه السّلام ( ومادّ القامة قصير الهمّة ) الطائفة الثانية من يكون طويل القامة لكنه ناقص في همّته وهذا القسم يشترك الأول في مخالفة ظاهره لباطنه ويتفاوت عنه في الاستعداد الباطن وسببه بعد الدّماغ عن القلب لانّ القلب مبدء الحرارة الغريزية والاعراض النفسانيّة من الفطنة والذكاء وعلو الهمة وقلة الانفعال عن الأشياء وجودة الرأي وحسن الظنّ والنشاط والرّجاء وغيرها دالَّة على فرط الحرارة الغريزية وضدّ هذه الأوصاف تدلّ على برودتها فقرب الدّماغ من القلب يوجب وصول كثرة الحرارة إليه فيكون الانسان متصفا بتلك الفضائل كالقصار من الناس فبعد الدّماغ عنه يوجب قلَّة الحرارة الغريزيّة في الدماغ فيتصف بخلافها من الرذائل ، فمادّ القامة يكون في الأغلب ناقص العقل وهو يستلزم قصور الهمة وفتور العزم حتّى قيل كلّ طويل أحمق وفى باب الأسد والثور من الكليلة الأحمق من طال وطالت عنقه ، وسيجئ في الطائفة الرابعة الكلام في القصار . قوله عليه السّلام ( وزاكى العمل قبيح المنظر ) وهى الطائفة الثالثة أي بعض النّاس من يكون مزاج ذهنه معتدلا فيصدر عنه الاعمال الزاكية الحسنة الطيبة ولكن صورته الظاهرة قبيحة لانّ مزاجه اقتضى ذلك واستعدّ له وهذا أيضا قليل لما بيناه في الطَّائفة الأولى من أن ذا المزاج المستعدّ لحسن الصّورة وجمالها يكون فطنا غالبا ويصدر عنه الافعال الزاكية والمستعدّ لقبح الصورة على خلاف ذلك ومن زكى عمله وان قبح منظره فهو فائز لان العمل هو الملاك للفلاح والبدن كالغمد والنفس كالسيف واللَّه تعالى لا ينظر إلى الأبدان بل إلى الأعمال والقلوب